واصف جوهرية
204
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
الكأس الثاني وأنا ماسكا عودي فوضعه على فمي وصبه في فمي صبا حتى كسر الكاس على أسناني [ حطمتها على شفتاي ] . ونظرا لتغيير نوع الخمر من الويسكي إلى العرق وشدة خجلي خصوصا من حسين أفندي الذي شربت بحضوره لأول مرة في حياتي وكان عمري بين السابعة عشر والثامنة عشر شعرت بدوران قوي في دماغي فسكرت ويا للأسف وتركت العود والعيون كانت كلها متجهة إلي مما زادني قلقا . وهكذا اضطر حسين أفندي أن يساعدني فأحضر عبد الجليل قواس مطران مدرسة سان جورج سابقا والذي كان يعمل عند إسماعيل بك وسليم بك أيوب في بنكهما الذي كان آنذاك مقابل باب الخليل من الخارج ، فحملني على ظهره ورافقني حسين أفندي إلى بيته مقابل قصر إسماعيل بك وقد شلحني ثيابي وفك الكرفاتة ونمت لا أصحى على شيء في غرفة هناك وكان حسين أفندي بحالة غضب وربما لام نفسه على السماح لي بالشرب فكان يشتم ويسب وأنا لا أجيب كلمة . وقبل بزوغ الشمس تركت البيت وذهبت ولم أواجهه إلا بعد ثلاثة أيام فردعني وحذرني للمستقبل فعندها اعترفت له بأن السبب هو نوري بك ضابط الصحة الذي كان يسقني الويسكي خارج غرفة السهرة وأعلمته بأنني كنت أستعمل الخمر منذ مدة طويلة خفية عنه فقال [ لا تهدي من أحببت أن اللّه يهدي من يشاء ] . وهكذا وبواسطة هذه السهرة كانت معرفتي مع نوري بك مدير البوليس بالقدس فكان لا يترك مجلس أنس إلا وأكون أنا عنده وفي بيته شارع يافا . كان شديدا في وظيفته وكنت كثيرا ما أرافقه عندما نكون سهرانين يتجول من نقطة بوليس لنقطة بوليس أخرى بالقدس يراقف حركة مأموري البوليس ليلا وكانوا يحسبون له ألف حساب ويقضون لياليهم في الوظيفة بحذر ويقظة فائقة . وهو الذي ابتدع لباس الكلبك ذات اللون السكني رمادي بالقدس . كانت هذه السهرة لي في قصر إسماعيل بك عبرة وأصبحت من تاريخها أتحفظ جدا ولم أقبل كأسا من أي كان من الحضور خوفا من تكرار تلك البهدلة التي لم أنساها مدى الحياة . شطحة قرية إرطاس داخل دير اللآتين تواصل الكيف والحظ بين هؤلاء الذوات والدنيا كانت والعياذ باللّه في حرب ومجاعة فقرروا على شطحة في دير اللآتين الواقع في قرية أرطاس قضاء بيت لحم فكانت والحق يقال شطحة دولية خالدة لأن المقيمين في هذا الدير قدموا ما كان موجودا من خمور معتقة في هذا الدير وبذلوا الجهد للترفيه عن موظفي حكومة ذلك العهد العظماء حتى أني أذكر أن أغلب الحضور كان يحمل ما يسمونها ( مطرة ) على جوانبهم وإملائها بأنواع الخمور بدلا من الماء فتصور . كانت عائلات محترمة ونسائها على جانب عظيم من الجمال إذ منها عائلة حلاق ، عائلة ياسمينة ، عائلة كتانة وخوري ونصري وحبيب ولورنس والبينا وغيرهم كثيرين فكانوا يملؤون أربع عربات خيل من نوع الأميركاني التي تسع لا أقل من اثني عشر شخصا . ثم كان متصرف لواء القدس ماجد بك وخليلة يهودية من سلونيك تحبذ الموسيقى العربية .